لقاء العدد مع الأخت المُكَرّسة وداد وديع بشـير

هذا اللقاء كان قد تم إجراؤه مع الأخت وداد اثناء زيارتها الى اوكلند في كانون الثاني 2010 لصالح مجلة الرعية “نجمة البحر”

 

حينما تجلس مع وداد فانك لن تجد اي حواجز او فواصل للحديث في امور الحياة المختلفة وكأنك تعرفها منذ زمان بعيد. تبتسم دوماً وتستمع الى الأحاديث والأشخاص من حولها وتُعيرَهُم جَلّ الإهتمام والإصغاء. كان حضورها الى نيوزيلندا لزيارة الأهل وأصدقاء زمان. وبسبب عملها مع اخوّة “الآرش” للمعاقين في فرنسا فقد كان الفضول وحب المعرفة يدفعنا للقاءها وسماع خبرتها الأيمانية والأجتماعية والروحية. مع وداد كان للمجلة هذا اللقاء المتميز.

قد يتبادر الى اذهان الكثيرين لماذا فكَّرتِ او إختَرتِ التكريس وليس الرهبَنة؟

لقد مَرَرْتُ بمراحل كثيرة خلال حياتي كان الأيمان والحياة الأجتماعية فيها ينصقِل ويتنقى وكل مرحلة فيها كان لها طعمٌ واهمية الزمان والمكان الذي اكون فيه مع الأشخاص والمحيط. اعتبر بدايةً البيت الذي نَشَأتُ فيه وتعليم الوالدين البسيط للأيمان المسيحي هو العامل الأول لتعرّفي على المسيح وبعدها بدأتُ مع اخوية الشباب وكان لتأثير أخويّة عذراء فاطمة لدى الآباء الكرمليين في بغداد شرارة قوية لحياتي. منها مرَرتُ بأخوات يسوع الصغيرات حيث اعجبَتْني حياتَهُنّ في تلك المرحلة من عمري وإلتقائي بالناس المُعدَمين والفقراء وكنتُ قد ابرزت نذوري الرهبانية الأولية وكانت هذه فترة مهمة للأكتشاف والعيش ضمن هذا المحيط الخاص. مع هذا فانني كنت احسّ بأنني احب ان اعمل في المجتمع دون ان يكون لدي إنتماء رهباني! لهذا تركت فكرة الرهبنة واتجهت في العام 1982 الى لبنان حيث التقيت في احدى التجمعات بمُحاضِر جاء من فرنسا ليتكلّم عن المُعاقين ذهنيّاً وعمل مجموعة إسمها “الآرش” وكان هذا لقائي الأول بمؤسس الجماعة ” *جان فانييه”! وبعد فترة من اللقاءات شعرت بأن هذا الطريق يُشعِرني بحريّة العطاء والإبداع داخل المجموعة حيث يمكنني ان اُفَكِّر وأُشارك ما أُفَكِّر به مع آخَرين وبالأحتفاظ بخصوصيتنا وشخصيتنا وحريّتنا كعلمانيين. فانا بشكل عام لا اُحِبُّ التحدّد باطار او قانون يُلزمني اكثر من شعوري بانني اشارك بتغيير وتشكيل النظام بما يُلائم قابلياتي للعطاء مع احترامي للقانون او النظام العام.

هل تعتقدين الآن ان “ألآرش” أجاب على رغباتك في العمل وهو الطريق الذي تُحِسيّن فيه بالمتعة والمحبة المسيحية والعطاء؟

كما ذكرت فانني تعرّفت على “جان فانييه” في لبنان من خلال رياضة روحية لمدة اسبوع كانت مفتاحاً لعلاقتي مع الآرش التي تواصلَتْ من خلال جان شخصياً وعمق محبته للجماعة واهتمامه وخبرته مع المعاقين ذهنياً. وقد دعتني المجموعة بعد فترة لأختبار حياة المجموعة مع المُعاقين فسافرتُ الى فرنسا وكان لي ان اختبر الحياة الروحية والعمل المسيحي والأجتماعي في ذات البيت الذي يعيش فيه مؤسس الأخوّة.  لقد إنحنيتُ (مِلتُ) اتجاه الفقراء والمعاقين والمُعدَمين بحرية وحُب كما تَحني الشجرة اغصانها امام الرياح لتحمي ثمارها من السقوط. وها انني بعد 17 عاماً ما زلت اعمل مع اخوتي المُعاقين الذين يسمحون لي بان اختبر واعيش الحب معهم. وأذكر جان فانييه يقول دوماً: “أنّنا جميعاً مُعاقين ومجروحين في مكان ما”.

مِن خلال عملَكِ مع المُعاقين كيف تصفين شعورهم العام في الحياة؟

هناك شعور عام بان المُعاقين اُناس منبوذين من العالم وان وجودهم هو صعوبة لأهاليهم اولاً حيث ان يصعب عليهم العيش مع ابنه او ابنته المعاق فيهملونهم خاصة إذا لم تكن هناك جذور وتعاليم وممارسات ايمانية في العائلة. كذلك فان المجتمع احياناً لا يتقبّل وجود المعاق في المحيط الذي يكون فيه كالمطعم والمرقص والنادي. لهذا يحسُّ المعاق بخيبة امل خاصة عندما يسمعون اسئلة مثل:”ماذا يستفيد العالم من وجود المعاقين؟ لماذا يقبل الله بخلق الإنسان معاقاً؟” ويبقى هذا الشعور يعيش في داخلهم.

كيف كان رد فِعل المعاقين عند وجودك معهم وانتِ من العراق؟

هل تُصَدِّق أنّ احلى شيء صادفني هو انه ولا واحد سألني من اين انتِ بل قَبِلوني على ما انا عليه كيفما كان لوني وشكلي وطولي ولون شعري ووجهي . والسؤال الوحيد الذي سُئلتُ عند وصولي ” هل ستبقين معنا دائما؟. فقد كانوا ينظرون إلَيّ برحابة وجه واستعداد لتقَبُّلي في محيطهم الذي يعيشون فيه. فالمعاقين يرون فينا الأشياء الحلوة ويثَمّنوها وهم يُمَيّزون بين من يُحِبُّهم او يتصنَّع الحب.

هل تعيشون في بيوت ام غرف ام منطقة معزولة؟

نحن نعيش مع المعاقين سوياً في بيوت داخل المدينة تحتوي على غرف ينام فيها المعاقين ولكل منهم “مُساعِدين” مثلي سواء مُكَرّسين او بشكل وقتي. لدينا كنيسة للصلاة وفترات استراحة مع ورش عمل لصناعات يدوية مختلفة يساعدنا فيها اشخاص محترفون يخصصون وقتهم لنا. والمجموعة تُرحّب بالمُساعدين سواء كانوا مسيحيين او غير مسيحيين ولا تُرغِم المساعدين على أداء اي مراسيم او شعائر مسيحية من قداديس أو صلوات لكن من واجِب المساعِد ان يَحضَر مع المًعاق المراسيم إذا تَطَلَّبَ ذلك!

انا اعلم ان الوصف صعب لكن هل لك ان تُعرّفين عملك مع المعاقين؟

إنَّ عليَّ ان اتعوّد وأتأقلَم وأتقَبّل العالم الجديد غير الأعتيادي. واعيش مع الصعوبات والتحدّيات اليومية واعتبرها بركة لي ولحياتي. فالعمل مع المعاقين هو مدرسة حياتية للصبر وبذات الوقت للرجاء لأن المعاقين يُفاجئونا بتصرفات وردود افعال تكون مفاجِئة لنا بل تكون مُشَجِّعة وهذا الرجاء يُساعدنا على تَقَبُّل الآخر. بناء العلاقة مع الآخر شيء صعب لكنه ممكن بقبولنا لضعفنا وجروحنا وبهذا نفهم ضعف وجروح المقابل ونعيشها. فالمعاق مُكَسَّر وهو يظهر صورته بوضوح ولا يخجل من طلب المساعدة عندما يحتاجها ويظهر عواطفه بنقاء وعفوية نتفتقر نحن اليها كثيراً. لا ينتقدون تصرفاتنا مهما كانت بل يحترموها. فَهُم ليس لهم احكام مُسبقة . لقد تعلّمت منهم ألاّ أفقد الأمل بالتغيير ومنها اكتشفت الكثير من ظلمات نفسي وكيفية معالجتها.

هل حصل وواجهتِ ايام تقولين لنفسك فيها انكِ تعبتِ ولن استطيع ان أُكمّل؟

لا، لم يحصل هذا لي لكن جاءت اوقات صعبة وتَحَدّيات  فكّرت فيها بانني هل استطيع جسدياً ان اكمّل ام لا.

لو عدنا قليلاً الى العراق، ما هو تأثير الحرب على نفسك وطريقك؟

انا احب العراق كثيراً وقد كان لدي شعور داخلي بعدَم العدالة مع ما حصل مع العراق والتشويه الأعلامي الذي الذي إنصَبَّ على شعب العراق من شعوب وبلدان مختلفة. أتَذَكّر واتذوق الأشياء الجميلة في بلدي اكثر من السلبي. لحد الآن أتأثَّر عندما يتكلّم الناس على غير المسيحيين بطريقة تهجّمية وسلبية. ان آلام العراق والعراقيين عظيمة وما نعانيه اليوم سبقنا فيه اباؤنا واجدادنا من قبل على مر العصور والأزمان. اليوم اشعر انني هنا في نيوزيلندا ان العراقيين كالخميرة في العجين وهذا لم يحصل عبثاً حتى ولو لم يكن باختيارنا. يُفرِحني انهم يعملون ويُنتجون ويُنيرون. فمسؤوليتنا لم تعِد تنحصر بجماعتنا بل بالجماعة الأكبر والمحيط الذي نعيش فيه.

هل من شخصيات مهمة كان لها تأثير على حياتك؟

الآباء الكرمليين في عذراء فاطمة في بغداد وبالأخص الأب ريمون الكرملي فهو علّمني ليس كيف أعمل بل كيف اكون انا! اخوات يسوع الصغيرات وخاصة ملاكي الحارس الأخت شانتال في لبنان التي كانت امامي كلّما ذهبتُ الى مكان فهي كانت مفتاحي الى الآرش خاصة عند وصولي الى فرنسا. وطبعاً اذكر * جان فانييه الذي لحياته وخبرته الحياتية اثر كبير لما انا عليه الآن.

كيف هي علاقتك مع الأفلام والسينما؟

انا احب السنما وخاصة الأفلام التي ذات معنى تطرح تساؤلات في مضامينها مثل افلام:

Talk to her” & “Elephant man”  “ ومِنْ نشاطاتنا اننا أنشأنا نادي للسينما في الأخوّة نعرض ونشاهد فيه افلاماً ممتعة للشباب والعوائل.

هل لك بكلمة توجّهيها للشباب والشابات هنا؟

اتمنى لكل واحد ان تكون له فرصة ليختبر العمل وخدمة الفقراء والمعاقين والمتألمين في العالم المحيط والخارجي. فكثُرَما نتعلم فان خبرة الألم ستكون خميرة للروح والتقدّم في الأيمان المسيحي. فكما تَجَسَّد يسوع لأجلنا فاننا يمكن ان نتجسد في الآخرين. وانني ادعو كافة الشباب ان يتصلوا بمجاميع الآرش في مناطقهم، ونحن لدينا مجموعة في ولنكتون، او ان ياتوا الى فرنسا مثلاً لأختبار الحياة للمدة التي يشاؤونها. كذلك توجد مجاميع وشباب يختبرون الحياة بشكل رائع كما في مجموعة Taize في فرنسا الذين يستقبلون الشباب من كل بلاد العالم للصلاة وعيش حياة مشتركة ومشاركة الخبرات.

اخيراً، كيف كانت زيارتك الى نيوزيلندا؟

رائعة، فهذه الزيارة كانت حلوة حيث التقيت باشخاص كثيرين بعضهم كنت اعرفهم من زمان بعيد. لقد احببتُ فيكم حب الأستماع الى خبرتي وعن أخوّة الآرش فانا لا اريد ان أعِظ بقدر محبتي المشاركة في خبرتي الروحية والأجتماعية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • جان فانيه ليس كاهناً و إنما فقط مؤسس الجماعة ولكنه مُكَّرس لخدمة الجماعة

اجرى اللقاء سنان شــــــوكت بَــــوّا يوم الأثنين 25/01/2010 في اوكلند

(الصور من لقاء وداد مع عدد من ابناء الرعية في اوكلند 22/01/2010).