* فوكولاري

كلمة الحياة: تشرين الثاني 2015

«فلْيكونوا بأجمَعِهم واحدًا» (يوحنا 17، 21) 

unity-in-the-body-of-christ

«فلْيكونوا بأجمَعِهم واحدًا» (يوحنا 17، 21) 

  

إنّها آخر الصلوات القلبيّة الحارّة التي وجّهها يسوع إلى الآب. فهو كان يدرك أنّ طلبه هذا هو الأعزّ على قلبه. بالفعل خلق الله الانسانية كعائلته، ليتشارك معها الخيرات كلّها وحياتَه الإلهيّة نفسها. بِمَ يحلم الأهل لأولادهم سوى أن يحبّوا بعضهم بعضًا ويتساعدوا ويعيشوا متّحدين في ما بينهم؟ وأليس أسف الأهل الأكبر هو حين يرون أولاهم منقسمين في ما بينهم بدافع الحسد والمصالح الاقتصاديّة إلى حدّ التوقّف عن التكلّم مع بعضهم البعض؟ هكذا حَلَمَ الله منذ الأزل بأن تكون عائلته متّحدة في شركة حبّ مع أبنائه، وبين بعضهم البعض.

تُحدّثنا قصّة جذورنا المأساويّة عن الخطيئة وعن التفتّت التدريجي للعائلة البشريّة: فكما نقرأ في سفر التكوين يتّهم الرجل المرأة، ويقتل قايين أخاه، ويعتزّ لاميخ بثأره الخارج عن الصواب، وتُنتِج بابل انعدام التفاهم وتَفَرُّق الشعوب… فيبدو مشروع الله فاشلاً.

إلّا أنّ الله لا يعتبر نفسه مهزومًا ويتابع بثبات إعادة توحيد عائلته. فتنطلق القصّة من جديد مع نوح، ومع اختيار ابراهيم، ومع ولادة الشعب المختار؛ وبعدها إلى أن يقرّر ارسال ابنه إلى الأرض عاهدًا إليه الرسالة الكبرى: وهي جمْع الأبناء المشتّتين في عائلة واحدة، وضمّ النعاج الضائعة في قطيع واحد، وهدْم حواجز الشقاق والعداوة بين الشعوب ليخلق شعبًا جديدًا واحدًا (راجع أفسس 2، 14-16).

لا يتوقّف الله عن الحلم بالوحدة، لذلك يطلبها يسوع منه كعطيّة كبرى يمكنه أن يلتمسها من أجلنا جميعًا: أسألك، يا أبتِ.

 

فلْيكونوا بأجمَعِهم واحدًا

 

تحمل كلّ عائلة بصمة الوالدَين. كذلك الأمر بالنسبة إلى العائلة التي خلقها الله. إنّ الله محبّة لا لأنّه يحبّ خليقته فحسب، بل لأنّه محبّة بحدّ ذاته، في تبادل العطاء بين الأقانيم الثلاثة كلّ أقنوم بالنسبة إلى الأقنوميْن الآخريْن وفي الشركة بينهم.

حين خلق الله الإنسانية إذًا، كوّنها على صورته ومثاله وطبع فيها قدرته ذاتها على بناء العلاقة، بشكل يسمح لكلّ شخص أن يعيش في عطاء الذات المتبادل. تقول الآية الكاملة لصلاة يسوع التي نودّ أن نعيشها هذا الشهر: “فلْيكونوا بأجمَعِهم واحدًا: كما أنّكَ فيَّ، يا أبتِ، وأنا فيك، فلْيكونوا هم أيضًا فينا”. فنموذج وحدتنا لا يقلّ بشيء عن الوحدة الكامنة بين الآب ويسوع. يبدو ذلك مستحيلاً لشدّة عمق هذه الوحدة. إلّا أنّها تصبح ممكنة بفضل الـ”كما” الذي يعني أيضًا “لأن”: نحن نقدر أن نتّحد كما أنّ الآب ويسوع هما واحد تمامًا لأنّهما يشركاننا في وحدتهما نفسها، فهما يهباننا إيّاها.

 

فلْيكونوا بأجمَعِهم واحدًا” 

 

ها هو عملُ يسوع، أن يجعلنا جميعًا واحدًا كما أنّه والآب واحد، عائلة واحدة، شعبًا واحدًا. لهذا السبب جعل نفسه واحدًا منّا، وأخذ على عاتقه انقساماتنا وخطايانا مسمِّرًا إيّاها على الصليب.

وقد أشار هو بنفسه إلى الطريق التي كان عليه أن يسلكها ليقودنا إلى الوحدة: “وأنا إذا رُفِعتُ من الأرض، جذبْتُ إليّ الناسَ أجمعين” (يوحنا 12، 32). كما تنبّأ عظيم الكهنة، “عليه أن يموت (…) ليجمعَ شمل أبناءِ الله المُشَتَّتين” (يوحنا 11، 52). بسرّ موته وقيامته جمع كلّ شيء فيه (راجع أفسس 1، 10)، أعاد بناء الوحدة التي كسرتها الخطيئة، وأعاد تشكيل العائلة من حول الآب وجعلنا من جديد أخوة وأخوات في ما بيننا.

أتمّ يسوع رسالته. ما يتبقّى الآن هو أن نقوم نحن بما علينا فننضمّ إليه ونقول “نعم” لصلاته:

 

فلْيكونوا بأجمَعِهم واحدًا” 

 

ما هي مساهمتنا لتحقيق هذه الصلاة؟

قبل كلّ شيء، أن نتبنّاها. بإمكاننا أن نعير يسوع شفاهنا وقلبنا لكي يظلّ يتوجّه بهذه الكلمات إلى الآب ونكرّر كلّ يوم بثقة صلاته هذه. الوحدة هي عطيّة من العلاء، علينا أن نطلبها بإيمان، من دون أن نتعب أبدًا.

وفضلاً عن ذلك يجب أن تبقى تلك الصلاة دائمًا في قِمّة أفكارنا ورغباتنا. إذا كان ذلك حلم الله نريد أن يكون حلمنا أيضًا. ومن وقت لآخر قبل أيّ قرار نتّخذه أو خيار نقوم به أو عمل نتمّمه، يمكننا أن نسأل أنفسنا: هل يصلح لبناء الوحدة، هل هو الأفضل من وجهة نظر الوحدة؟

أخيرًا علينا أن نركض حيث تبرز حالات انعدام الوحدة ونأخذها على عاتقنا، تمامًا كما فعل يسوع. لعلّه احتكاك في داخل الأسرة أو بين أشخاص نعرفهم، أو توتّرات تُعاش في الحيّ أو خلافات في بيئة العمل، في الرعيّة، بين الكنائس. لا نهربنّ من الخلافات وانعدام التفاهم، ولا نبقيَنّ لا مبالين، بل لنحملَنَّ محبّتنا مع كلّ ما فيها من إصغاء وانتباه للآخر ومشاركة بالألم الناشئ عن كلّ التمزّقات.

وبشكل خاصّ لِنَعش بوحدة مع من هم مستعدّون للمشاركة بمثال يسوع وصلاته، فلا نعطي لسوء التفاهم ولتباعد الأفكار اهتمامًا كبيرًا، ونُسعَد بما هو “أقلّ كمالاً إنّما بالوحدة أكثر من الأشدّ كمالاً ولكن من دون وحدة”، فنقبل بفرح اختلافاتنا بل بالأحرى نعتبرها مصدر غنًى في سبيل وحدة لا يجوز حدّها بالتماثل.

نعم قد يَضَعنا تصميمنا هذا في بعض الأحيان على الصليب، لكنّها الطريق التي اختارها يسوع لكي يعيد بناء وحدة العائلة البشرية، وهي الطريق التي نريد نحن أيضًا أن نسلكها معه.

 

                                 فابيو تشاردي

كلمة الحياة: شهر تشرين الاول أوكتوبر 2015

إذا أحبَّ بعضُكم بعضًا عرفَ النّاسُ حميعًا أنّكم تلاميذي» (يوحنا 13، 35)

John 13,35

هذا ما يميّز المسيحيّين ويجعل الناس يعرفونهم، أو هذا أقلّه ما يجب أن يكون عليه الأمر، لأنّ يسوع تصوّر جماعته بهذا الشّكل. ورد في مخطوط رائع عائد إلى قرون المسيحيّة الأولى “رسالة إلى ديوغنتس” أنّ “المسيحيّين لا يتميّزون عن الأشخاص الآخرين لا من حيث مكان عيشهم، ولا من طريقة تكلّمهم، أو أسلوب لباسهم. فهم في الواقع لا يسكنون مدنًا خاصّة بهم، ولا يستخدمون لغة غريبة، ولا يعتمدون نمط عيش مغاير”. إنّهم أشخاص عاديّون مثل سائر الناس، إلّا أنّهم يحتفظون بسرٍّ يسمح لهم بأن يؤثّروا بشكل عميق في المجتمع ويشكّلوا نوعًا ما روحَه” (راجع الفصلَيْن 5 و6).

هاهنا سرّ سلّمه يسوع إلى تلاميذه قبل أن يموت بوقت قليل. على غرار حكماء إسرائيل القُدامى، وكأبٍ مع ابنه، ترك لهم هو أيضًا، معلّمُ الحكمة، ميراثًا هو فنّ آداب الحياة والعيش الصالح. كان قد تعلّمه مباشرةً من الآب: “أطلعتُكُم على كلِّ ما سمعتُهُ من أبي” (يوحنا 15، 15)، وشكّل ثمرة اختباره في علاقته معه. إنّه يقوم على محبّة بعضنا البعض. هذه هي إرادته الأخيرة، ووصيّته، وحياة السماء التي حملها إلى الأرض والتي شاركنا بها لكي تصبح حياتنا نحن. يريد أن تصيرَ هويّةَ تلاميذه، فيعرفَهم النّاس بفضل محبّتهم المتبادلة.

“إذا أحبَّ بعضُكم بعضًا عرفَ النّاسُ حميعًا أنّكم تلاميذي”

سيعرف النّاس أنّهم تلاميذه من محبّتهم المتبادلة؟ “إنّ تاريخ الكنيسة هو تاريخ قداسة”، كتب القدّيس يوحنا بولس الثّاني. إلّا أنّه “سجّل عددًا من الوقائع التي تشكّل شهادة مضادّة للمسيحيّة” (سرّ التجسّد، 11). باسم يسوع وطيلة قرون خاض المسيحيّون ضدّ بعضهم البعض حروبًا طويلة لا تنتهي، وهم حتّى الآن منقسمون في ما بينهم. لا نزال نجد في أيّامنا هذه أشخاصًا يدمجون بين المسيحيّين والحملات الصليبيّة أو محاكم التّفتيش، أو ينظرون إليهم كمُدافعين متعصّبين عن أخلاقيّة قديمة تتعارض مع تطوّر العلم.  لم يكن الأمر كذلك بالنسبة إلى المسيحيّين الأوائل في جماعة أورشليم الناشئة. كانوا يجذبون الآخرين بمشاركة الخيرات التي كانوا يعيشونها، وبالوحدة التي كانت تسود بينهم، وبـ”الابتهاج وسلامة القلب” اللذَيْن كانا يميّزانهم (أعمال الرّسل 2، 46). “كان الشعب يُعظِّم شأنَهم”، نقرأ أيضًا في أعمال الرّسل، ممّا أدّى إلى أنّ “جماعات الرّجال والنّساء كانت تزداد عددًا فتنضمّ إلى الرّبّ” (أعمال الرّسل 5، 13-14). كانت في شهادة حياة الجماعة قوّة جاذِبة جدًّا. لمَ لا يعرفنا النّاس اليوم أيضًا كأشخاص يتميّزون عن الآخرين بمحبّتهم؟ ماذا فعلنا بوصيّة يسوع؟

“إذا أحبَّ بعضُكم بعضًا عرفَ النّاسُ حميعًا أنّكم تلاميذي”

تقليديًّا يُخَصَّص شهر تشرين الأوّل في العالم الكاثوليكي لـ”الرّسالة”، للتفكير حول دعوة يسوع للذّهاب في الأرض كلّها لإعلان البشارة، وللصّلاة من أجل الذين هم في الصّفّ الأوّل ودعمهم. قد تساعدنا جميعًا كلمة الحياة هذه على أن نُنْعِشَ من جديد البعد الأساسي لكلّ إعلان مسيحيّ. فهو ليس فرضًا لإيمان معيّن أو دعاية لدين ما ولا مساعدة نفعيّة للفقراء كي يرتدّوا. وهو ليس بشكل أوّليّ الدّفاع الصّارم عن القِيَم الأخلاقيّة أو تسجيل موقف ثابت إزاء الظلم والحروب، مع أنّ هذين الموقفيْن مطلوبان من المسيحيّ ولا مفرَّ منهما.

فالإعلان المسيحيّ هو قبل كلّ شيء شهادة حياة يجب على كلّ تلميذٍ ليسوع أن يقدّمها شخصيًّا: “الإنسان المعاصر يصغي بترحيب أوفر إلى الشّهود أكثر منه إلى المعلّمين” (إعلان الإنجيل، 41). حتّى هؤلاء الذين يعارضون الكنيسة غالبًا ما يتأثّرون بمَثَل الأشخاص الذين يكرّسون حياتهم في خدمة المرضى والفقراء وهم مستعدّون لترك أوطانهم والذهاب إلى الأماكن البعيدة الصعبة لتقديم المساعدة والحضور بقرب الأخِيرين. إلّا أنّ الشّهادة التي يطلبها الله بنوع خاصّ هي شهادةُ جماعةٍ بكاملها تُظهِر حقيقة الإنجيل. عليها أن تُبَيِّن أنّ الحياة التي حمَلَها يسوع قادرة بالفعل على أن تولّد مجتمعًا جديدًا حيث تُعاش علاقات أخوّة صادقة، وتعاون وخدمة متبادَلة، وانتباه جماعيّ إزاء الأشخاص الأكثر هشاشة وحاجة.

عرفَت حياة الكنيسة على مرّ السنين شهادات مماثلة، كالقرى التي بناها الفرنسيسكان واليسوعيّون للسكّان الأصليين في أميركا الجنوبيّة، أو الأديرة التي نشأت بلداتٌ من حولها. اليوم أيضًا تعطي جماعات وحركات كنسيّة النّورَ لمُدُنٍ نموذجيّة تتميّز بشهادتها، حيث يمكن رؤية علامات تُنبئ بمجتمع جديد هو ثمرة الحياة الإنجيليّة والمحبّة المتبادَلة.

“إذا أحبَّ بعضُكم بعضًا عرفَ النّاسُ جميعًا أنّكم تلاميذي”

إذا عشنا في ما بيننا تلك الوحدة التي من أجلها أعطى يسوع حياته، من دون الابتعاد عن أماكن سكننا أو عن الأشخاص الذين نعاشرهم، سنكون قادرين على خلق نمط عيش بديل وزرع بذار رجاء وحياة جديدة من حولنا. فإنّ عائلة تُجَدِّد كلّ يوم بشكل حسّيّ إرادة العيش في المحبّة المتبادلة، قادرة على أن تصبح شعاع نورٍ وسط اللّامبالاة المتبادلة التي تسود مجمَّعها السّكني أو بين جيرانها. وتستطيع “خليّة بيئيّة”، حيث يتّفق شخصان أو أكثر على تطبيق متطلّبات الإنجيل بجذريّة في مجال عملهم، في المدرسة، ومقرّ النقابة، والمكاتب الإداريّة، أو في السّجن، تستطيع أن تُبدّدَ منطق الصّراع من أجل النّفوذ، وأن تَبُثَّ جوًّا من التعاون، وتُساهمَ في ولادة أخوّة ربّما أصبحت ميؤوس منها.

ألم يقُم المسيحيّون الأوائل بذلك أيّام الامبراطوريّة الرّومانيّة؟ ألم تكن تلك الطريقة التي من خلالها نشروا البشارة الجديدة التي تحملها المسيحيّة والتي تُحوّل الإنسان؟ نحن اليوم “المسيحيّون الأوائل”. نحن مدعوّون مثلهم لأن نسامح بعضنا بعضًا، لأن ننظر إلى بعضنا البعض بنظرة جديدة، لأن نتساعد. بكلمة واحدة نحن مدعوّون لأن نحبّ بعضنا بعضًا بالعمق الذي أحبّنا به يسوع، متأكّدين من أنّ قوّة حضوره في وسطنا ستُشرِك أشخاصًا آخَرين معنا في منطق المحبّة الإلهيّ.

الأب فابيو تشاردي

كلمة الحياة: كانون الأول ٢٠١٣

Chiara 60

وليجعلْكمِ الربّ تزيدون وتفيضون محبّةً بعضُكم لبعضٍ وللجميع، كما نحن نحبّكم“ (1تس 3/ 12)

مرّة أخرى، يتمنّى الرسول بولس ويطلب من الله نعماً خاصة من أجل الجماعات التي أسّسها، من خلال هذه الكلمات التي هي من تعابيره المألوفة. (راجع أفسس 7: 8 و فليبي 1: 9 ). وهو هنا يطلب من أجل أهل تسّالونيكي نعمة النمّو أكثر فأكثر في المحبّة المتبادلة والفيض الدائم فيها. ليس المقصود هنا لومٌ مبطّن لهم وكأنّ المحبة المتبادلة ليست حاضرة في جماعتهم، بل هو تذكيرٌ بوجود شريعة مرتبطة بجوهر المحبّة ذاتها، أي أنّ عليها أن تنمو وتزداد باستمرار.

وليجعلْكمِ الربّ تزيدون وتفيضون محبّةً بعضُكم لبعضٍ وللجميع، كما نحن نحبّكم“

وإذا كانت المحبّة التي هي جوهر الحياة المسيحيّة، لا تنمو، فسوف تتأثّر حياة المؤمن وتضعف، لا بل قد تخمد في آخر الأمر. لا يكفي أن نفهم وصيّة محبّة القريب ولا حتّى أن نختبر الحماس الذي تولّده فينا المحبّة في بداية مسيرتنا مع الإنجيل. يجب أن نُنمّي تلك المحبّة ونبقيها باستمرار متقدّة، حيّة وفاعلةً. يتحقّق ذلك إن عرفنا كيف نستفيد، بمزيد من الاستعداد والسخاء، من الفرص العديدة التي تقدّمها لنا الحياة يوميّاً.

وليجعلكم الربّ تزيدون وتفيضون محبّة بعضُكم لبعضٍ وللجميع، كما نحن نحبّكم“

يرى القديس بولس أنّ على الجماعات المسيحيّة أن تتحلّى دوماً بنضارة الحياة العائليّة الحقيقيّة ودفئها. ونفهم بالتالي نيّة الرسول بأن يُحذّر من الأخطار الأكثر انتشاراً ألا وهي الفرديّة والسطحيّة والفتور والرداءة.

وفي الوقت ذاته يحذّر من خطر الاستسلام لحياة عاديّة هادئة ومنغلقة على نفسها، وهو خطر جدّيّ مرتبط بالأخطار السابقة ارتباطاً وثيقاً. يريد بولس جماعات منفتحة لا تكتفي بمحبّة تربط المؤمنين في ما بينهم وحسب بل يريد جماعات تسودها محبّة تلتفت للآخرين وتشعر بهموم الجميع وصعوباتهم وحاجاتهم. وحدها المحبّة تتميّز بأنّها تعرف أن تحتضن كلّ إنسان وتبني الجسور وترى الإيجابيّات، كي تتوحّد رغباتنا وجهودنا في سبيل الخير مع رغبات ذوي الإرادات الطيّبة وجهودهم.

وليجعلكم الربّ تزيدون وتفيضون محبّة بعضُكم لبعضٍ وللجميع، كما نحن نحبّكم“

كيف نعيش إذاً كلمة الحياة لهذا الشهر؟ نعيشها بالسعي نحن أيضاً للنموّ في المحبّة المتبادلة في عائلاتنا ومكان عملنا وفي جماعاتنا وجمعيّاتنا الكنسيّة وفي رعيّتنا إلخ…

تتطلّب منّا هذه الكلمة محبّة فائقة تعرف أن تتخطّى الاعتبارات الرديئة وتنتصر على حواجز مختلفة ترفعها أنانيّتنا التي تصعب زعزعتها… يكفي أن نفكّر في بعض مظاهر المحبّة لنكتشف فرصاً عديدة يمكن عيشها؛ كالتسامح والتفهّم وقبول بعضنا البعض والصبر والتأهّب للخدمة والرحمة حيال نقائص قريبنا الفعليّة أو المفترضة والمشاركة في الخيرات الماديّة …

ومن الواضح أنّه إذا ساد جوّ المحبّة المتبادلة هذه في جماعاتنا لا بدّ لحرارتها أن تشّع من حولنا. وسوف تجتذب مَن لم يتعرّفوا على الحياة المسيحيّة بعد، وسيندفعون وراءها تلقائيّاً وبسهولة إلى درجة يشعرون معها أنّهم أفراد عائلة واحدة.

كيارا لوبيك (تشرين الثاني 1994)

كلمة الحياة: تشرين الثاني ٢٠١٣

chiara-lubich

كونوا لطفاءَ بعضُكم نحوَ بعض، رحماءَ، صافِحين بعضَكم عن بَعضٍ كما صَفَحَ اللهُ عنكم في المسيح. (أف 32،4)

إنّه كلامَ بمثابة برنامج حياة عمليّ وجوهريّ، يكفي وحدَه ليساهمَ في خلقِ مجتمعٍ مختلف، مجتمعٍ أكثر أخوّةً وتضامناً. وقد استوحاه بولس الرسول من مشروع حياة أشمل اقترحه على مسيحييّ آسيا الصغرى.

لقد توصّل أفرادُ تلك الجماعة المؤلّفة من يهود ووثنيّين، وهما شعبان يمثّلان الإنسانيّة آنذاك، إلى عيش “السلام” في ما بينهم بعد أن كانا في خصام شديد.

يجب أن نُحيي دائماً من جديد الوحدة التي وهبها لنا المسيح، وأن نترجمها إلى أعمال إجتماعيّة حسيّة مستوحاة من عيشنا للمحبّة المتبادلة. من هنا أتت توجيهات الرسول حول كيفيّة بناء علاقات إنسانيّة صحيحة.

كونوا لطفاءَ بعضُكم نحوَ بعض، رحماءَ، صافِحين بعضَكم عن بَعضٍ كما صَفَحَ اللهُ عنكم في المسيح. (أف 32،4)

أن نكون لطفاء.

اللطف هو إرادة الخير للآخر. هو أن “نكون واحداً” معه ونصغي إليه وقد أخلينا ذواتَنا من أنانيّتنا ومصلحتنا وأفكارنا وأحكامنا المسبقة التي قد تعكّر صفو رؤيتنا، فنستطيع بالتالي أن نحمِلَ أثقالَ القريب وحاجاتِه وآلامَه ونشاركَه أفراحَه.

هذا يعني أن ندخلَ إلى أعماقِ مَن نلتقي بهم لكي نفهمَ ذهنيّتَهم وثقافتَهم وعاداتِهم ونتبنّاها قدرَ الإمكان. وذلك لكي نعيَ حقّاً ما هم بحاجة إليه ونكتشف تلك القيَم الّتي زرعها الله في قلب كلّ إنسان. باختصار، علينا أن نعيشَ من أجلِ من هو بقربِنا.

أمّا الرحمةُ، فهي أن نستقبِلَ الآخرَ كما هو لا كما نريدُه أن يكون، بطبعٍ مختَلِفٍ يوافِقُ طبعَنا وقناعات دينيّة وسياسيّة تطابقُ أفكارَنا ومعتقداتِنا، من دون تلك العيوب أو التصرّفات التي تصدمنا. كلاّ علينا أن نوسّعَ قلبَنا ونجعلَه قادراً على إستقبال الجميع على اختلافهم، مع بؤسِهم ومحدوديتّهم.

والصفحُ هو أن نرى الآخر جديداً دائماً. إنّ الحياة لا تخلو من النزاعات والخلافات والصدام، حتّى في حالات التعايش الأجمل والأهدأ كما في العائلة أو المدرسة أو العمل. وقد يصل بنا الأمر أحياناً الى حدّ عدم التحدّث مع الآخر أو تجنّب التلاقي به، هذا إن لم نترك الكراهية تسيطر على قلوبنا تجاه مَن لا يفكّر مثلنا. إنّ الإلتزام القويّ والمتطلّب هو محاولةُ النظر إلى الأخ أو الأخت كلّ يوم بنظرة جديدة كما لو كان حقّاً جديداً، وألاّ نتذكّر أبداً الإساءاتِ التي ألحقَها بنا، بل أن نسترَ كلّ شيء بالمحبّة، ونمنحَ الآخر من كلّ قلبنا عفواً عاماً، تماماً كما يفعلُ الله الذي يغفرُ وينسى.

ثمّ إنّ السلامُ الحقيقيّ والوحدةُ يحلّان حين نعيشُ اللطفَ والرحمةَ والغفرانَ، لا على الصعيد الشخصيّ وحسب، بل عندما نعيشُها مع الإخوة معاً بطريقة متبادلة.

وكما نحرّك من حينٍ إلى آخر، حطباتِ موقدةٍ مشتعلة كي لا يغطّيها الرماد، كذلك علينا أن نُجدّد، من وقت إلى آخر، تصميمَنا على أن نحبّ بعضُنا بعضاً، وننفحَ علاقاتِنا بروح جديدة كي لا يغطّيها رماد اللامبالاة والأنانية والفتور.

كونوا لطفاءَ بعضُكم نحوَ بعض، رحماءَ، صافِحين بعضَكم عن بَعضٍ كما صَفَحَ اللهُ عنكم في المسيح. (أف 32،4)

يجب أن تُتَرجم هذه المواقف أفعالاً وأعمالاً ملموسة. لقد أظهر لنا يسوع بذاته ما هي المحبّة الحقيقيّة حين شفى المرضى وأشبع الحشود وأقام الموتى وغسل أرجل تلاميذه. إنّ المحبّة أفعال وأعمال حسّيّة حقاً.

أورد لكم اختبار والدة صبيّة إفريقيّة تُدعى روزانجيلا: لقد خسرت الفتاة إحدى عينيها بسبب شقاوة صبي من عمرها، ضربها بعَصا فجرحها واستمرّ يهزأ منها. لم يعتذر أيٌّ من والديّ الصبي عن فعلته. وكان الصمت وانقطاع العلاقة مع تلك العائلة يُشعران أمّ الفتاة بالمرارة. سامحته الصبيّة وقالت لأمها: “تعزّي يا أمي، فأنا محظوظة، أستطيع أن أرى بالعين الأخرى”.

وتخبر الوالدة قائلة: “ذات صباح قصدني أحدهم ليقول لي إنّ وعكةً صحيّة أصابت والدةِ ذاك الصبي. وكانت ردّةُ فعلي الأولى بأن أقول لذاتي: إنّها ترسل بطلب المساعدة منّي بعد كلّ ما فعله إبنها، بالرغم من وجود جيران كثيرين غيري؟!. ولكنّي تذكّرت فوراً أنّ المحبّة لا تقيم الحواجز. فأسرعتُ إلى بيتها. وما أن فتحَتْ لي الباب حتّى غابت عن الوعي. رافقتُها إلى المستشفى ومكثتُ بقربها إلى حين وصل الأطبّاء. بعد أسبوع، خرجت من المستشفى وجاءت تزورُني وتشكرُني. إستقبلتها من كلّ قلبي، لقد نجحتُ في مسامحتها. وعادت علاقتُنا لتنطلقَ على أسُسٍ جديدة.”

يمكننا أن نزرع يومَنا أيضاً بالخدمات العمليّة والمتواضعة والذكيّة كتعبير عن محبّتنا للقريب. وسوف نلمس كيف أنّ الأخوّة والسلام ينموان من حولنا حقاً.

كيارا لوبيك (2006)